السيد محمدحسين الطباطبائي

227

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

دونه لشيء ممّا سواه ، لا ذاتا ولا وصفا ولا فعلا ، بل هو القائم على الكلّ على ما يليق بكبريائه جلّ جلاله . فالإنسان - وهو في المرتبة السابقة - ربّما أخذته العناية الإلهيّة وهيّأته للإيمان بأنّ الملك للّه ، لا يملك شيء لنفسه شيئا إلّا به ، لا ربّ سواه ، وهذا معنى وهبيّ اختصاصيّ لا تأثير لاختيار الإنسان فيه ، وهو قوله سبحانه حكاية عن إبراهيم - عليه السلام - : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا « 1 » فإنّ إبراهيم - عليه السلام - كان مسلما وقد أمره ربّه بالإسلام ، فأجابه به ووصّى بها بنيه ، وهو - مع ذلك - يسأله ذلك ، فالإسلام غير الإسلام ، وليس معناه : أدمنا على الإسلام لك بالتوفيق ، إذ لا وجه للعدول عن حاقّ المعنى إلى غيره ، بل هو معنى خارج عن عهدته واختياره يسأل به ربّه . ويتعقّبه الإيمان بهذه المرتبة وهو فعليّة ما يستدعيه هذا التهيؤ ، قال تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ . « 2 » ويمكن أن يكون الاصطفاء والاجتباء اسمين لهذين ؛ أعني الإسلام والإيمان بهذا المعنى . ومن مختصّات هذه المرتبة : أنّ المتحقّق بها لا يشتغل إلّا بربّه ، ولا يلي أمره إلّا ربّه سبحانه ، فلا يريد ولا يترك ولا يحبّ ولا يبغض ولا يلتذّ ولا يتألّم إلّا به وله سبحانه وتعالى . وفي البحار عن إرشاد الديلمي - وذكر سندين لهذا الحديث ، وهو من أحاديث المعراج - وفيه : « قال اللّه سبحانه : يا أحمد ! هل تدري أيّ عيش أهنى وأيّ

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 128 . ( 2 ) . يونس ( 10 ) : 62 - 63 .